هُنــــــاك …
بين ظلال الأشجار .. عِند هدير المياه , و تغارِيد الأطيار
فِي وقت ضِياء الشّمس من بعدِ سكون الأسحار
بمنطقة تخلو مِن ضَجِيج مَدِينة و مِن هدوء قرية
يقطن كوخ ضَئِيل .. ذو نوافذ عجّت بِغبار يحجب منظرهَا , و يسرق جَمَال زجاجها
كوخ مسقف بِقشّ منسوج و بعضِ الخشب و الحُصُر
فتحتُ الباب المهترئ , تملّكنِي بعض مِن خوف و كَثِير مِن فضول
تأمّلت فِي حَنَايا المَكَانِ و أرجَائه .. إذْ بِه فِي حالة فوضَى عارِمَة
بدأت أولى خطواتِي لِتقصّيه
أرعَيت السّمع .. فأمعنتُ النّظَر
فَإذَا بِصَرِير كرسيّ مدولب مركون فِي الزّاوية
تقبع عَليه مسنّة اشتعلت خصلات شعرها الهائش بِالشّيب
قد ترقّق عظامهَا و هزل جسدهَا
شَعرَت بِوجودِي فَالتفتت إليّ .. تأمّلت ملامحهَا . .
تأمّلت تجاعِيد الزّمَان المرسومَة عَلى جبِينهَا و بين وجنتيهَا
و دموع العَجزِ و اليأس تحت جفنيهَا
دَفَعنِي الفُضُول إلى سؤالِهَا عَن جزء من مَاضِيهَا
تنهّدت بِقوّة ثمّ بدأت تشكِي ..
بدأت حَدِيثِهَا بِالـ ” آهـ ” ثمّ وصَفت لِي مَاضِيهَا ..
أنّه أقسَى مِن قَسَاوة الحَجَر , و أكثَر مَرَارة مِن العَلقم
عَاشت مَاضِيهَا فِي حرمَانٍ مِن فلذّاتِ أكبادِهَا
شرّدوهَا و قتلوا أبناءَهَا و أسقوهَا مِن كَأس الظّلم و العدوان
أخَذَت ما قد يبقى بِقلبهَا ذكرى عَلى مرّ السنين
و رحلت إلى كوخٍ يأويهَا و يأوِي أوجَاعهَا
بعِيدًا عَن أهل النّفوس اللئيمَة و الرّدِيئَة
كَانت تخاطبنِي بنبرة حزن تكَاد تخنق أنفاسهَا
تنهّدَتْ مرّة أخرى تحسّرًا عَلَى ضَياعِ مستقبلٍ ظلّت تخطّط له مُنذ طفولتهَا
وَ لَم يكُن بِيدِي شَيء سِوى أن أهديتهَا بعضِ الكَلِمات قد توحِي إليهَا بِالأمَل
القادِم
خَرجتُ مِن عندِهَا و عَينِي يملَؤهَا دَمع الشّفقة و الرّحمَة
.
لِينَة سَعَد *